الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

76

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمرج : الخلط . واستعير هنا لشدة المجاورة ، والقرينة قوله : وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً . والبحر : الماء المستبحر ، أي الكثير العظيم . والعذب : الحلو . والفرات : شديد الحلاوة . والملح بكسر الميم وصف به بمعنى المالح ، ولا يقال في الفصيح إلا ملح وأما مالح فقليل . وأريد هنا ملتقى ماء نهري الفرات والدجلة مع ماء بحر خليج العجم . والبرزخ : الحائل بين شيئين . والمراد بالبرزخ تشبيه ما في تركيب الماء الملح مما يدفع تخلل الماء العذب فيه بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر ويبقى كلاهما حافظا لطعمه عند المصبّ . و حِجْراً مصدر منصوب على المفعولية به لأنه معطوف على مفعول جعل . وليس هنا مستعملا في التعوذ كالذي تقدم آنفا في قوله تعالى وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً [ الفرقان : 22 ] . و مَحْجُوراً وصف ل حِجْراً مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى المشتق منه كما قالوا : ليل أليل . وقد تقدم في هذه السورة . ووقع في « الكشاف » تكلف بجعل حِجْراً مَحْجُوراً هنا بمعنى التعوّذ كالذي في قوله وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً [ الفرقان : 22 ] ولا داعي إلى ذلك لأن ما ذكروه من استعمال حِجْراً مَحْجُوراً في التعوذ لا يقتضي أنه لا يستعمل إلا كذلك . [ 54 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 54 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) مناسبة موقع هذا الاستدلال بعد ما قبله أنه استدلال بدقيق آثار القدرة في تكوين المياه وجعلها سبب حياة مختلفة الأشكال والأوضاع . ومن أعظمها دقائق الماء الذي خلق منه أشرف الأنواع التي على الأرض وهو نطفة الإنسان بأنها سبب تكوين النسل للبشر فإنه يكون أول أمره ماء ثم يتخلّق منه البشر العظيم ، فالتنوين في قوله بَشَراً للتعظيم . والقصر المستفاد من تعريف الجزءين قصر إفراد لإبطال دعوى شركة الأصنام للّه في الإلهية . والبشر : الإنسان . وقد تقدم في قوله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا في سورة مريم [ 17 ] . والضمير المنصوب في فَجَعَلَهُ عائد إلى البشر ، أي فجعل البشر الذي خلقه من الماء نسبا وصهرا ، أي قسّم اللّه البشر قسمين : نسب ، وصهر . فالواو للتقسيم بمعنى ( أو ) والواو أجود من ( أو ) في التقسيم .